عبد القاهر الجرجاني
109
دلائل الإعجاز في علم المعاني
" ولكن الرماح أجرتني " ، لم يمكن أن يتأوّل على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجرّ ، قضية مستمرة في كل شاعر قوم ، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجرّ شاعرهم . ونظيره أنك تقول : " قد كان منك ما يؤلم " ، تريد ما الشّرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكلّ إنسان . ولو قلت : " ما يؤلمني " لم يفد ذلك ، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك . وهكذا قوله : " ولو أنّ أمّنا تلاقي الذي لاقوه منا لملّت " ، يتضمن أنّ من حكم مثله في كل أمّ أن تملّ وتسأم ، وأن المشقة في ذلك إلى حدّ يعلم أن الأمّ تملّ له الابن وتتبرّم به ، مع ما في طباع الأمّهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد . وذلك أنه وإن قال : " أمّنا " ، فإن المعنى على أن ذلك حكم كلّ أمّ مع أولادها . ولو قلت : " لملّتنا " ، لم يحتمل ذلك ، لأنه يجري مجرى أن تقول : " لو لقيت أمّنا ذلك لدخلها ما يملّها منا " ، وإذا قلت " ما يملها منا " فقيّدت ، لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنّه بحيث يملّ كلّ أمّ من كل ابن . وكذلك قوله : " إلى حجرات أدفأت وأظلّت " ، لأن فيه معنى قولك : " حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظلّ " ، أي : هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظلّ . ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول ؛ إذ لا تقول : " حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا " ، هذا لغو من الكلام . فاعرف هذه النّكتة ، فإنك تجدها في كثير من هذا الفنّ مضمومة إلى المعنى الآخر ، الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل ، والدلالة على أنّ القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله ، لا أن تعلم التباسه بمفعوله . وإن أردت أن تزداد تبيّنا لهذا الأصل ، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفّر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب ، فانظر إلى قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [ القصص : 23 - 24 ] ، ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع ، إذ المعنى : " وجد عليه أمة من الناس يسقون " أغنامهم أو مواشيهم ، و " امرأتين تذودان " غنمهما و " قالتا لا نسقي " غنمنا ، " فسقى لهما " غنمهما . ثمّ إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كلّه إلا أن يترك ذكره ويؤتى